حيدر حب الله
75
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
ولذّة الطعام غير المنضبطة في الدنيا هي المقبّحة دينيّاً وليس أصل لذة الأكل أو الشرب ، وإنّما تكون هذه مقبّحة في رؤية صوفيّة لعلّها أرادت بيان خفّة هذه اللذات قياساً باللذات المعنويّة فصوّرت هذه اللذات المادية وكأنّها شيء معيب أو مستقبح . ليس الأمر كذلك أبداً ، إنّها جزء من بُنيتنا ولم يرد فيها تقبيح ، فما معنى أنّ الرسول كان أنسه بالنساء ؟ ! وما معنى النهي عن الرهبانيّة ؟ ! إنّما المحرّم هو استهلاك العمر في هذه الأمور ، ووقف الطموح عندها ، وليس القبيح هو طلبها والتنعّم أو السعادة بها . لاحظوا المقارنة الواقعة بين هاتين الآيتين في قوله تعالى : ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) ( الأعراف : 32 - 33 ) . إنّ الآية الأولى تنفي تحريم الله للطيبات ، ولهذا هي تؤكّد أنّها ستكون من نصيب المؤمنين يوم القيامة ، فيما الآية الثانية توجّه تحريم الله إلى مجموعة أمور ليست الطيبات منها ، بل كلّها مذمومة وجداناً كالفواحش والبغي والشرك والتقوّل على الله ، ولنضمّ إلى ذلك قوله تعالى : ( وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ) ( الأحقاف : 20 ) ، فسوف نجد أنّ الدين لم يحرّم الطيبات لكنّه حرّم استنفادها دنيويّاً . إنّ اختلاط المفاهيم يفضي إلى تصوّر التناقض هنا ، فالمشكلة هي عندما نقصر